رواية الظل الأسود

يتساءل إياسو:
-((أيها الرفاق المؤمنون..هل ترونني أخطأت؟؟ أكنت على باطل؟!))
قال أحد الشيوخ الأتقياء:
-((أيها الامبراطور المؤمن..لا تجعل النكبة تسيطر عليك، و تضعف من إيمانك بالله و بالقيم العريقة التي دعوت إليها، إن انتصار الشر يا إياسو الطيب لا يعني أنه صواب. و إن هزيمة الخير في إحدى المعارك، و في عصر من العصور لن تنال من قدسيته…إنه هو رسالة الأنبياء و المصلحين، إن القوة الغاشمة يا إياسو الطيب لن تحيل النهار إلى ليل، و لن تفجر النور في الليل البهيم..إن تفرى و جنوده على باطل و إن انتصروا و ساقوا العباد طوع إرادتهم الشقية، و إنك يا إياسو على حق و إن تشردت في الآفاق، و سكنت الكهوف، و لاحقتك وحوش البرية..حينما اضطهد “محمد” و أصحابه، و شردوا في الأنحاء و حوصروا في شعاب مكة..كانوا على حق..و حينماخرج من مكة مهاجرا إلى المدينة تحت ضغط قريش و اضهادها كان على حق..و لم ينهزم جيش  محمد في “أحد” لأنه على باطل..كان على حق في سويعات الهزيمة و النصر. ما أكثر ما يتعرض المؤمنون للابتلاء و الامتحان الشديد فيستشهدون، و يعذبون، و يسجنون، و يطاردون،..لكنهم في النهاية ينتصرون.. أعني تنتصر مبادؤهم.. أجل أيها الصديق المؤمن إياسو..انتصر يزيد بقوته المادية الهائلة، و انتصر الحسين بمبادئه و قوته الروحية عبر الأجيال و الحقب..لقد اختلفت صورة النصر..ذهب يزيد إلى كرسي الحكم، و ذهب الحسين إلى أريكة الشهداء في الجنة..أي إياسو الحبيب إن دولة الباطل ساعة..و دولة الحق إلى قيام الساعة..و ليس أمامنا أيها الأمبراطور الطيب إلا الاستمساك بالحق و إن كان مرا، فإما النصر أو الشهادة في سبيل الله..و الشهادة أروع من النصر..سيظل صوتا مدويا عبر القرون، و ستردده الآكام في كل الآفاق.. ))

أدرك إياسو ما يرمي إليه الشيخ، فقال:

-  (( لن استسلم..))


و هذا مقتطف من مجلة كل شيء و العالم عدد السبت 8 نوفمبر 1930 بعنوان (الامبراطور هيلاسيلاسي – ملك ملوك الحبشة الجديد).



رواية الرايات السوداء

الكتاب: الرايات السوداء – سلسلة روايات إسلامية

عدد الصفحات: 234 من القطع الصغير

دار المؤيد (الرياض- السعودية) – دار البشير (طنطا – مصر)

الطبعة الأولى 2002

رقم التصنيف الدولي:  9772781808 ISBN

نشر أولا في مدونة الأديب الدكتور نجيب الكيلاني

و إني لأترك القلم، و في نفسي شيء…شيء مرير من النقاد العرب الذين – برغم كفاءتهم و استعدادهم الشخصي – يخلدون إلى الصمت، و لست أدري هل هذا الصمت ضرب من الاحتجاج و عدم الاعتراف بالجهود الفنية؟ أم هو لون من الصبر و الترقب؟؟ و على أية حال فإن الواجب يقتضينا أن نمضي في الطريق حتى يخرج النقاد عن صمتهم، أو أن ينتهي صبرهم، و إلى اللقاء…
دكتور نجيب الكيلاني – مساكن أبوزعبل
ملحوظة: كانت هذه الرواية مفقودة، و عثرت عليها من شهر تقريبا، و لم يسبق نشرها..فأرجو طبعها و نشرها لتخرج للنور وفاء لزوجي الأديب الراحل “نجيب الكيلاني” و لهم مني جزيل الشكر و الامتنان..و الله من وراء القصد.

كريمة شاهين حرم الكتور/ نجيب الكيلاني – دبي – 8 مارس 2000

 

هكذا رأت النور رواية مفقودة من روايات أديبنا الكبير منظر الأدب الإسلامي الحديث و الذي قضى فترة من حياته يعمل و يكتب في دولة الإمارات. و هكذا اليوم، أعيد تقديمها وفاءا لأدبه، و تقديرا لقرائه الكرام.

ربما يكون هذا هو العرض الأول لهذا الكتاب على حد المتوفر لدي؛ فلم أجد نقدا أو عرضا لهذه الرواية التي صدرت بعد وفاته. و هنا نذكر بأن زوجات الأدباء وفيات لعطاء أزواجهن، فالشكر لأسرة الأديب الراحل. ربما أعجبني الكتاب بدءا؛ لاهتمامي بما أدعوه (إسلام واحد، و مسلمون عدة).  يصدر المؤلف كتابه من قول أحد الأدباء الغربيين: (ما التاريخ إلا مشجب أعلق عليه لوحاتي). ثم يرسم بقلمه لوحة تاريخية في قالب فني تحليلي كما يصف روايته:

(إنني أشعر بانجذاب لا يقاوم نحو تاريخ أمتنا العريقة، فلا أقل من القراءة فيه و التعمق في أحداثه، و رسم صورة نفسية لإنسانه. و أجدني أعيش أحداثه و تجاربه بشغف غريب….لعل هذا أهم ما يشدني إلى التاريخ، ويربطني به أوثق ارتباط، و لا يعني ذلك أني أعيش في أجيال مضت، و ترتسم سلوكها و قيمها. و أنعزل عن واقع أعانيه، و إنما هي نظرة كلية تربط الماضي بالحاضر و تستشرف آفاق المستقبل، ليس انعزالا إذن، و إنما هو ثورة على التقوقع، و ضيق الأفق و النظرة القصيرة للحياة و الأحياء…)

و يؤكد على اهتمامه بفترات التحول التاريخية في حياة الأمم؛ فاختار لنا هنا فترة انتهاء الدولة الأموية، و بداية الدولة العباسية. ثم عنون روايته (الرايات السوداء). و أصول هذه القصة الحقيقية وردت في نصف صفحة فقط من القطع الكبير في كتب التاريخ: (لكن كتب التاريخ دائما لا تقول كل شيء).

في عرضه لروايته اهتم بالجانب النفسي وراء كل شخصية، و حاول أن يكون صادقا مع الأحداث التاريخية و مع نفسه. و أدان الجميع. نعم، أدان الأمويين و العباسيين. لم ينج في روايته إلا الزوجة المخلصة التي ورثت من أبيها الشيخ العالم صفة الاتزان. ذلك الشيخ الذي قال كلمة الحق في المسجد؛ فسجن و عذب ثم مات بسجنه. كان المؤلف صادقا؛ فلم يمنعه إسلامه من أن يصور أخطاء الرجال المسلمين، و هو دائما يفرق بين أخطاء الدين و رجال الدين – على حد تعبيره – عندما يتعرض للتاريخ.

يقول عن فترة الانتقال و التناحر بين المسلمين:

(و بالطبع لم تكن هذه الفترة القلقة الدامية المليئة بشتى ألوان المتناقضات و الصراعات تعبيرا صادقا عن النظام “الإسلامي” السليم في الحكم و السياسة و الحرب و الحريات العامة، و كانت هذه الثورة في هذا الوقت، أشبه ما تكون ” بالنوبة العصبية” التي تنتاب الرجل السليم فتجعله يتصرف بلا وعي.)

و يدلل على ذلك بأن الدولة العباسية بعد ما استقرت و ثبتت دعائمها، فتحت أبوابها للعلم و المعرفة، و امتزجت بالحضارات العريقة و أنجبت عديدا من العلماء، و المفكرين، والفلاسفة، و الشعراء….

يصف بكل واقعية تعذيب شيوخ في السجن:

(لا أعرف إلا أني مظلوم…مظلوم..أنتم قساة لا ترحمون شيخوختي…أين تذهبون من الله يا بني العباس يوم لا ينفع مال و لا بنون؟؟أتريدون أن تتلذذوا بحر الانتقام من شيخ واهن مثلي؟؟ ما ذنبي؟؟ ألأني أموي و لأني أكرهكم؟أجل سأظل أكرهكم و أكرهكم، وخاصة بعد تلك المعاملة السيئة، و هذا الظلم الفادح الذي لا يقره منطق و لا دين..).

و قد اختار أن يشتغل في روايته على محورين هما:(الحرية) و (الانتماء).

و أما الحرية فلأن معظم الشخوص عبيد يتوقون إليها. بل إنه بدأ الفصل الخامس من الرواية بقوله (كلنا عبيد):

·         فالجارية (ياسمين) تتمنى أن تعيش حرة لا أمة في حياتها، و حرة في حبها حتى لو أغراها تعلقها بسيدها:

(قد يكون لرجل المبدإ إغراء آخر يسبي قلوب النساء) كما قالت لسيدتها (لمياء) في وصفها لسيدها.

و أسجل هنا أنه لم يتمادى في وصف حسي أو في شرح العلاقة الحميمية كما وظفهما في رواية (على أبواب خيبر) بين العبد و سيدته و (دم لفطير صهيون) كذلك. إلا أنه اكتفى بكلمة متلازمة له ( و أتمت زينتها على صورة ملفتة للنظر) و في وصف (و قالت “ياسمين” و هي تغادر الحجرة بعد ساعة: -هذه أعذب لحظات عمري. – لكنها حماقة ما كان يجب أن تحدث)…

ثم تشعر “ياسمين” بأن ما كانت تراهن على تعلقها بسيدها كهدف في حياتها إنما هو نوع من العبودية مضطرة إليه كجارية. و لم تفق إلا بعدما جفاها مولاها:

(لكنها الآن بعد صده لها كفرت بهذه النظرية، فقد أدركت بعد اتجربة المريرة، أن الحرية أروع ما في الحياة، و لو كانت حرة لانتقمت لشرفها و كبريائها، و لأعطت لمولاها درسا لا ينساه، بل لعلا كانت تحتقره، و تدعه يهرول وراءها ناشدا رضاها عليه…)

أتوقف هنا عند معنى الحرية لدى العبيد و الإماء في هذا العصر. إنهم للأسف نشئوا على هذه الخصلة (العبودية المطلقة)، و لم ينفع إلا تجربة قاسية أو حسن تربية ليفيق بعضهم وليس كلهم. و كم من أحرار في عصرنا هذا ربوا على الخنوع كالعبيد؛ فصعب تغييرهم بتجارب عدة، و مع طول زمان.

·         و البطل السيد (علي بن أبي أمية) يعيش عبدا لثأر أبيه الذي قتله غيلة واحد من الأمويين، و يعيش عبدا للقتال المطلق مع الأمويين، و عبدا للتخلي عن وضعه الاجتماعي كسيد مخلص لزوجه لا يهفو لجاريته إلا مرة كاللص سرعان ما يخلف قلقا نفسيا. و بينما في غمار قلقه يقول:

(لكنه يجب ألا يفقد الأمل في الله، آه..لقد نسى الله و هو يظن أنه يحارب في سبيله، و يقضي على الظلم و الفساد، و يحيي المعاني الإسلامية الكبرى التي صنعت هذه الحضارة الضخمة و ذلك العلم الجديد..أجل لقد نسى الله، ماذا يفعل؟؟)

ثم يصف تعذيب صهره الشيخ العالم صاحب الخطبة التي تطرأت لأمر الخلافة، حتى منعوا الماء عنه:

( و ماذا كنت تنتظر منهم غير ذلك؟؟ لم يبق في جسدي كله شبر واحد دون كدمات أو جروح، لقد تقيحت جروحي، و الحمى تسري في جسدي…إن ما قلته مجرد فتوى.. بل سمه رأيا إذا شئت.) يرد (علي) قائلا: (أمن أجل هذا راح أبوه غيلة؟؟ أمن أجل هذا أريقت دماء الألوف من البشر المساكين؟؟ و هل أمر بهذا كتاب الله و سنة رسوله؟؟) يرد الشيخ:  (تنسى الماء لأنك لا تشعر بالظمإ..كما نسيت العدل بالأمس لأنك لم تقاس الظلم، و نسيت الرحمة لأنك لم تتعرض للقسوة..هكذا الدنيا..)

و يتحلل تدريجيا من هذه العبودية طوال الرواية. و في النهاية يضحك بعصبية:

(قتل الأمويون أبي..وقتل العباسيون صهري.. و أنا!! ها..ها..قتلت نفسي.)

·         هناك أيضا (سليمان ابن إبراهيم بن عبد الملك) الذي يعيش هاربا كالسجين خوفا من بطش العباسيين و (علي بن أبي أميه) لانه قتل أباه. و يشاء القدر أن يتخفى كالغريب، و يغير اسمه إلى (حسان ابن نافع) و يعيش مستأمنا في قصره، بل و يحب جاريته (ياسمين). حتى يفاجئه بنهاية القصة باسمه؛ فيختلفان إلى أيهما يكون الوفاء؟ هل لوعده بالأخذ بثأر أبيه، أم لوعده بتأمين حياة الغريب؟

·         و نرى الشيخ (زين الدين) ذو الوجه المشرق الصالح الندي و اللحية البيضاء الذي يقابله (علي بن أبي أميه) في سفره كلما ذهب باحثا عن قاتل أبيه، ثم تنشأ بينهما علاقة من نوع المريد و المعلم. حتى تتجلى في قوله (زدني) فيزيده آية بعد أخرى عن الله في توظيف مباشر للنص القرآني داخل الحوار. و ينتهي الأمر بأن يستقر معه على درجة من النقاء الفكري التي تساعده في التغلب على عبوديته لأفكاره السابقة (الثأر، القتال،…..).  و لا ينسى المؤلف أن يضيف رأيه على لسان السيد (علي) في الاعتراض على تصوف الشيخ لأن الدين حرم الرهبانية. كأنه يذكرنا بأننا سنأخذ منه فقط الحكمة في طيات الرواية، و يجب ألا نقلده. و كثيرا ما تجد وصفه لشخوص تتراوح من الزهد إلى التصوف في روايات الكيلاني الذي خبرها من صغره في بلدته طنطا.

·         كرر و أسرف الكيلاني في وصف العلاقة و الخلاف بين الجارية المحررة (وعد) و زوجها الشاعر الضعيف في غير موضع. و ربما أراد أن يخفف لحدة الصراع بالمداعبات بينهما. لكنها يقول أنها شخصيات تنطوي على عبودية أخرى كالجارية التي تحررت من العبودية إلى زواج غير ما تريد.  و كالشاعر المعتد جدا بنفسه مثل كل من يتقلد ما لا يستحق من مناصب في زمنه.


تتجلى فكرة (الحرية) بين الأبطال في طيات الحوار:

-عجيب أمر هؤلاء الناس يا ياسمين..

-و فيم العجب..؟؟

-بالأمس يتحمسون للأمويين و يناصرونهم..و اليوم يلعنونهم و يلعنون السخط عليهم و على سياستهم..يا له م تضاد غريب!!!، و تمتمت “ياسمين”

-إنه الخوف يا سيدتي..

-سلوك يبعث على النفور..

-الخوف هو الكارثة..خوفهم من بني أمية بالأمس، و من بني العباس اليوم..

-و أين الكرامة!!

-القوة كل شيء يا سيدتي..

-و لماذا لا يكون الناس أحرارا في تأييدهم أو معارضتهم؟؟

-الحرية الحقيقية هي التحرر من الخوف..

و في المحور الثاني (الانتماء)، يقول المؤلف:

(لم يكن انتماء فرد من الأفراد إلى الطائفة العباسية أو الأموية بقادر على أن يحل مأساة “الانتماء” كما يسمونها..لأنه سيكون حلا ظاهريا لا يرقى إلى مستوى الروح القلقة المعذبة التي ينعكس عليها قلق العصر و عذابه.)

ففي بداية القصة، يسقط الكيلاني رؤيته على لسان الجارية (ياسمين):

( لعنة الله على الحرب و على السياسة….خوارج و عباسيين و مصريين و يمنيين، حتى البيت الأموي نفسه منقسم إلى طوائف..الدنيا كلها صراع و تناحر و قتال و مؤامرات..أشياء لا تمت إلى الدين بصلة….هل من الضروري أن تنشب هذه الخلافات، و تراق تلك الدماء الذكية؟؟ لماذا ينقسم المسلمون إلى عشرات الطوائف و النحل و المذاهب و قد كانوا بالأمس أيام الرسول – صلى الله عليه و سلم- وحدة واحدة تسع العديد من الآراء و الأفكار، دون أن تقوم المعارك و تزهق الأرواح؟؟ لماذا..لماذ؟؟)

و كانت سيدتها (لمياء) لا تفسر هذه الأحداث إلا تفسيرا واحدا هو أن الشيطان قد وجد الفرصة سانحة ليسير سيرته الخبيثة في الأرض، ويعود بالناس إلى الوراء..إلى أيام الجاهلية، ولو صلحت أحوال الناس، و صفت قلوبهم و ضمائرهم من الأطماع و الجشع و الأحقاد لعاد الوئام، و انتشر السلام في ربوع العالم الإسلامي..

و يتطرق على لسان (علي) إلى أن الخلاف بدأ احتجاجا على مظالم بني أمية، و عبثهم بأصول الدين، ثم تحولت الثورة بالتدريج إلى لاف شخصي –أو شبه شخصي- بين فئتين من الفئات الكبيرة، لم يكن خلافا بين منهجين أو فلسفتين، و من ثم لم يكن غريبا أن يرتكس الطرفان في الأخطاء و الحماقات..

يقول الشيخ (عبدالله) الذي يوصف على لسانه صهره (علي) بأنه عاد إلى أصول دينه يستفتيها و يسألها الرأي و لم يربط نفسه ببيت و لا حزب. و إنما ارتبط بالقيم الدينية الخالدة التي لا تعرف الزيع و الأهواء:

(إذن فخذها صريحة..كلكم على ضلال..فأنا لا أقر ما يحدث سواء في عهد الأمويين أو العباسيين..و لا يرضى الدين و لا الشرع أن يصل الخلفاء إلى أريكة الحكم بالقوة و القهر و الوعيد…أتنكر يا ولدي ان الحرب التي قامت لم تكن سوى صراع بين بيتين من البيوتات العربية الكبيرة؟)

نعم، لقد قال الكيلاني في روايته الكثير مما يجب أن يقال اليوم. لا يجب أن تمر دروس التاريخ بقراءة متشنجة و متعصبة لأناس سبقونا بالإيمان فأصابوا و اخطأوا، غفر الله لهم. و لا يزال القوم يسمون أنفسهم أحفاد فلان و علان نسبة لهم بعد قرون و كأنهم يحملون معهم وزرهم متفاخرين و مدافعين عنهم. و إن كان الفارق الحقيقي أنهم قد قدموا ما قدموا من اختلاف و خلاف، و انتهت أعمالهم في الحياة الدنيا و يحاسبون في دار الحق. بينما اليوم يتعمد بعضنا أن يكتسب ذنبا آخر بهذا الاختلاف الفكري أو التاريخي ما دامت قلوبهم تنبض بالكراهية، و عقولهم تتقد بالفتنة. لو أنهم قرأوا التاريخ بقراءة منصفة، لتعلموا منه الكثير، عوض تقليد أخطاء الأجداد و التفاخر بهم و بدولتهم كأهل الجاهلية…. و لكن قومي لا يعلمون.

و مر عام

الزائر الكريم

و مر عام على أول تدوينة

كل عام و أنتم بخير

حبيبتي سراييفو

هذه مقتطفات من نهاية مسرحية ( حيببتي سراييفو) للأديب الدكتور نجيب الكيلاني.
علي:  سوف نستدعي صديقنا الطبيب الفلسطيني الذي يعيش في البوسنة منذ أكثر من ثلاثين عاما..إنه يدير المستشفى السري بكفاءة و هو مجاهد معنا منذ البداية.
بلالوفيتش: ألا تذهب إلى المخبأ..
علي (يبتسم في مرارة):  ومن لهؤلاء إذا اختبأت..إن كلمة  الموت لم تعد تفزعني من قديم..انزل إلى رجالنا و أصدر إليهم أوامري بأن يحاولوا إسعاف الجرحى، و سحب القتلى من تحت الأنقاض..لا..لا..بل سأنزل أنا..
بلالوفيتش: لكن الخطر ما زال محدقا بنا.
علي: الناس يحتاجون إلى قيادة و قدوة.
***
علي: ليس لنا خيار آخر.
(يغلق الجهاز ثم يلتفت إلى أخيه بلالوفيتش و يقول له)
هيا بنا لنجعل الناس يستعدون للغارة الجوية المحتملة إن قرارات الأمم المتحدة يحرم على الصرب استخدام الطائرات ضدنا بل و منع تحليقها أصلا.
بلالوفيتش: و أين الأمم المتحدة، القرار ينتهك كل يوم.
علي: و ليست لدينا طائرات حربية يا بلالوفيتش.
بلالوفيتش: الحق للأوغاد الأقوياء.
(الجنرال علي يختطف رزمة من الأوراق ثم يلقي بها في الموقد و يشعل فيها النار)
بلالوفيتش: ما هذا يا أخي؟؟
علي: قرارات الأمم المتحدة و مجلس الأمن و توصيات الوسيطين الدوليين.
(تشتعل النار في الموقد، يمد علي يديه ليدفئهما) تعال يا بلالوفيتش لتدفيء يديك أنت الآخر و إن كنت أرى أن هذه الأوراق المحترقة ليس فيها دفء على الإطلاق، إنها هباء يا بلالوفيتش.
***
علي: حتى رجال الله لا بد أن تكون لحياتهم نهاية. لا يهم أن نموت أو نعيش..المهم أن تبقى كلمة الله هي العليا
***
تصور يا أخي أن زراديتش شاعر…شيء يدعو للسخرية المفروض أن الشاعر رقيق الحس و الوجدان فكيف تسعده المذابح..ثم إنه طبيب نفسي على دراية بخفايا النفوس ذلك الملعون إفراز الحضارة القذرة..
آه يا حاكم الصرب سيذكرك التاريخ بأبشع صفات النذالة و الخسة..إنه يخرج لسانه للمجتمع الدولي الذي أراد أن يحاكمه كمجرم حرب. سفاح صربيا.. سفاح صربيا.
بلالوفيتش (مرعوبا و هر يقترب من أخيه): علي إنك تنزف يا أخي كيف حدث هذا دون أن نشعر به؟؟
علي: انظر يا بلالوفيتش..إنني أرى من بعيد أضواء الفجر الآتي و أرى الكعبة تسبح في النور..و أرى الملائكة المسومين يقدمون نحونا من أرض بدر الكبرى..إنني أسمع الهتاف العظيم..لا إله إلا الله..صدق و عده و نصر عبده..و أعز جنده و هزم الأحزاب وحده. إنهم قادمون يا بلالوفيتش..إخواننا المسلمون في أنحاء الأرض قادمون على صهوات الريح، إنهم يبدلون الظلام و يجندلون سماسرة الموت.
إنه ليس حلما يا بلالوفيتش..إنني أراه حقيقة..إنهم قادمون.
على أجنحة يكبرون و يهللون.
الله أكبر.
الله أكبر.
بلالوفيتش (يسند أخاه علي الذي ينزف من كتفه جهة اليسار على صدره..و ترتج الآفاق بهتاف الله اكبر و على السادة مشاهدي المسرحية أن يشاركوا بالتكبير..و يندمجوا مع الممثلين حسب توجيهات المخرج)
ستار الختام

على أبواب خيبر

عرض رواية (على أبواب خيبر) على أبواب خيبر…ما كان يحضرني عندما أذكر خيبر جليا هو تحصن اليهود الغادرين بأبوابها ظانين أنها تمنعهم حصنا بعد الآخر. و كان بيدهم أن يحموا أنفسهم و يهنئوا مع أهلهم في الحياة المدنية المسالمة لكنهم غدروا مرة بعد الأخرى. و ها هي صورة الإمام علي بن أبي طالب و هو يقتلع باب الحصن ليسقط بنو الغدر و يستسلموا…
يَا قَالِع البَابَ التي عَن فَتحِهِ ** عَجزَتْ أكفٌّ أربَعُون وأربَعُ
ثم قرأت الرواية:على أبواب خيبر- د نجيب الكيلاني – دارالبشير- الطبعة الأولى- 2001

نبدأ حيث ينقل الأديب لنا ببراعة كمية الحقد و الكره الأعمى الذي يكنه اليهود للمسلمين بالرغم من  وجود تعايش سلمي في المدينة (يثرب). و مع ذلك أبوا أن يتعلموا مما حدث لبني جلدتهم . و فضلوا أن يرووا تعطشهم للدماء. و هيهات فقد سقطت خيبر و كان عليها أن تسقط…ليرتوا من دماء أنفسهم بأنفسهم…و يختفي الغدر من المدينة المسالمة.
وضع لنا الكاتب صورتين لليهود: صفية بنت حي بن الأخطب التي حكمت عقلها و زينب بنت الحارث التي لم حكمت هواها.
تعقلت صفية ابنة حيي بن أخطب، فتحقق حلمها الذي طالما عنفها زوجها عليه، و رأت القمر الذي أنار لها حياتها. لقد أنقذها عقلها من الضلال. تلك المرأة اليهودية التي قالت عنها أمنا عائشة ما هي إلا يهودية، فقال لها الرسول محمد –صلى الله عليه و سلم- لا تقولي هذا فقد أسلمت و حسن إسلامها.
بينما زينب بنت الحارث التي استسلمت لحقد قلبها، و لغطرسة عقلها، فقد ضيعت دنياها و آخرتها. بل ضيعت دينها قبل ذلك.  أغرت العبد بهواها و فعلت معه الفحشاء ظنا منها أنها تتملكه و يقتل محمدا ففشلت. قتلت عبدا ثم  أسلم العبد الآخر ثم  ُقتِل أهلُها. حملت نفسها كل هذه الآثام و هي المرأة صاحبة المكانة في قومها لأجل حقدها؟ ثم تظاهرت بالإسلام و قدمت الطعام المسموم للرسول الكريم-صلى الله عليه و سلم-. فعرف الرسول -صلى الله عليه و سلم- ثم مرض مرضه الأخير، و لحق بالرفيق الأعلى.
حوار بين المرأتين هو جل ما يدور بين العقول التي تعقل و تلك التي لا تعقل. بل اختلاف شخصية و طريقة حوار كل منهما مع زوجها و قومها جعل المرأتين هما بطلتا الرواية، و في هذا رؤية خاصة للأديب. و أرى أن الأديب قد بالغ و استفاض في وصفه لإثم زينب مع العبد التي اقترفته، فنزلت من نظر القاريء و لم يتعاطف معها. لكن وصفه و تحليله لكم الحقد و لتدابيرها خدم فكرة الرواية. هذه قراءتي السريعة لهذه الرواية. الكاتب أفاض عندما أشعرك كأنك تعيش بين بني اليهود حقا. أحسن في توصيل فكرة الرواية الأساسية و هي أن اليهود يحكمهم الحقد دائما علينا،فعلينا الانتباه و الحذر. و هكذا يكون الأدب المتزن الذي يهدف لفكرة و ينقلها لعقلك بسهولة و إقناع و إمتاع. لدرجة أنني تساءلت هل هناك من يحمل كل هذا الغل في الدنيا أم أن الكاتب يبالغ؟
ربما هذه رواية لما دار في العقلية اليهودية و خلف الحصون و بين البيوت و عقول سادات اليهود و نسائهم. لم يتطرق الكاتب كثيرا لملحمة الفتح . فالغرض كان واضحا جليا. إنه مكر  اليهود و حقدهم و هو العنصر الأساسي للرواية التي تصدر تحت عنوان روايات إسلامية. ربما ساهمت في تبصير كل من قرأها بما حدث من أربعة عشر قرنا و لا يزال يحدث. و ربما أفادنا بأنهم لا يتعلمون مما حدث لهم فيسيرون على وتيرة واحدة. و لعلنا نفيد من هذا الأمر لو كنا نعقل. فهم لا يقاتلون إلا من وراء حصن و أبواب محصنة و قلاع و سدود. و هم لا يتمسكون بمعاهدة إلا و سرعان ما نقضوها كما فعل اليهود الثلاث حتى خرجوا واحدا تلو الاخر بسبب غدرهم. أين الرشد و العقل فيما فعلوا؟ و علينا أن نتدارس أفعالهم بقراءتنا للروايات التاريخية حتى نفهمهم و نتجهز لهم كما يجب.
اكتب هذه القراءة السريعة بعد أسابيع من قراءتي للرواية و لم يستحثني على الكتابة إلا ما حدث من جريمة في عرض البحر قام  بها الصهاينة. لم يستحثني إلا تعليق يذكرني بأن هناك فرق بين اليهود و إسرائيل. فأرد نعم هناك فارق أعلمه جيدا.  لكن هؤلاء اليهود أو معظمهم هم قتلة الأنبياء و هم أهل الضلال و الحقد على مر العصور. هادنوهم لكن لا تأمنوا لغدرهم.
و للحديث بقية ….
* وجد رسول الله  بخدها لطمة فقال: (ما هذه؟)، فقالت: إني رأيت كأن القمر أقبل من يثرب، فسقط في حجري، فقصصت المنام على ابن عمي ابن أبي حقيق فلطمني، وقال: تتمنين أن يتزوجك ملك يثرب، فهذه من لطمته. وكان هدف رسول الله صلى الله عليه وسلم من زواجها إعزازها وإكرامها ورفع مكانتها، إلى جانب تعويضها خيراً ممن فقدت من أهلها وقومها، ويضاف إلى ذلك إيجاد رابطة المصاهرة بينه وبين اليهود لعله يخفّف عداءهم، ويمهد لقبولهم دعوة الحق التي جاء بها.

نجيب الكيلاني .. أبو الرواية الإسلامية

نشر أولا في لها أاون لاين
“الأدب الإسلامي تعبير فني جميل مؤثر، نابع من ذات مؤمنة، مترجم عن الحياة والإنسان والكون، وفق الأسس العقائدية للمسلم، وباعث للمتعة والمنفعة، ومحرك للوجدان والفكر، ومحفز لاتخاذ موقف، والقيام بنشاط ما”.
 كان هذا التعريف للأدب الإسلامي من أوائل التعريفات التي قال بها الدكتور نجيب الكيلاني (رائد الرواية الإسلامية) عندما سئل: ما هو الأدب الإسلامي؟ 
ولد الدكتور نجيب الكيلاني في أول (يونيو) عام 1931م بقرية (شرشابه) محافظة الغربية بمصر، وفي سن الرابعة أدخل مكتب تحفيظ القرآن، حيث تعلم القراءة والكتابة والحساب وقدراً من الأحاديث النبوية الشريفة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصص الأنبياء وقصص القرآن.
ثم بدأت رحلته مع الأدب بوجه عام من خلال أشعاره في المرحلة الثانوية.. وكانت عبارة عن أشعار حول الموضوعات الوطنية، والمناسبات الدينية، وقليل منها عاطفي.. وخرج أول ديوان له وهو في المرحلة الثانوية حول هذه الموضوعات.. ثم بدأ كتابة القصة في المرحلة الجامعية، وكان متأثراً فيها بحياة أهل القرية وأخلاقهم، وخاصة العلماء الذين كان يجلس إليهم في قريته، والذين كان حريصاً عل معرفة رأيهم في كل ما يكتب.. بعدها قرأ بنهم منقطع النظير كتابات المفكر والشاعر الإسلامي “محمد إقبال”، الذي انبهر بكتاباته التي ترجمها د/ “عبد الوهاب عزام” من الأردية والفارسية إلى العربية.
كانت أسرته تعمل بالزراعة، وكان منذ صغره يمارس العمل مع أبناء الأسرة في الحقول، وقضى المرحلة الثانوية في مدينة (طنطا) عاصمة محافظة الغربية، ثم التحق بكلية طب القصر العيني (جامعة القاهرة) عام 1951م، وفي السنة الرابعة بالكلية، قدم للمحاكمة في إحدى القضايا السياسية وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، وفي تلك الفترة جمع ديوانه الشعري (أغاني الغرباء)، ثم كتب روايته الأولى (الطريق الطويل) التي فازت بجائزة وزارة التربية، ونشرتها وزارة الثقافة والإرشاد آنذاك، وقدمها له وزيرها آنذاك “فتحي رضوان”، ثم قررت على طلبة التعليم الثانوي في عام 1959م، وفي المسابقة نفسها فاز بجائزة التراجم والسير عن كتابه (إقبال الشاعر الثائر) 1957م.
 وفي عام 1958 فاز مرة أخرى بعدد من جوائز وزارة التربية والتعليم، ففي مجال الدراسات النفسية والاجتماعية فاز كتابه (المجتمع المريض) وهو دراسة متميزة عن مجتمع السجون، وفي مجال التراجم والسير فاز كتابه (شوقي في ركب الخالدين) وفي مجال الرواية فازت قصته (في الظلام)، كما فاز بجائزة مجلة “الشبان المسلمين” في مسابقة القصة القصيرة التي أعلن عنها عام 1957، وكانت مقدار الجائزة خمسة جنيهات مصرية، وفي عام 1959 فاز بجائزة القصة القصيرة لنادي القصة القصيرة(اتحاد الكتاب) والميدالية الذهبية المهداة من الدكتور طه حسين، كما فاز في العام التالي بجائزة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأدب عن روايته (اليوم الموعود) والتي قررت على طلبة المرحلة الثانوية عام 1960م، وأخرجت مسلسلاً إذاعياً 1973 بإذاعة الكويت، وقد أعدت كمسلسل تلفزيوني (إنتاج ليبي مشترك) لتعرض في شهر رمضان (1414هـ) تحت اسم (ياقوتة ملحمة الحب والسلام) والرواية تدور أحداثها حول الحروب الصليبية أيام الملكة شجرة الدر.
يقول الكيلاني عن بداياته مع الأدب الإسلامي: “على الرغم من أنني لم أعرف شيئاً عن الأدب الإسلامي أو المذاهب الأدبية إلا أنك إذا رجعت إلى الإنتاج الأدبي الأول بالنسبة لي تجده بعيداً عن الإسفاف والإباحية والعرى، بل هو أدب نابع من فكر رجل قروي بسيط، متمسك بأعراف القرية وتقاليدها التي هي أقرب ما تكون إلى الإسلام الصحيح.. لهذا فقد كانت أعمالي الأولى تمثل الأدب الإسلامي، ولكن بدون قصد أو تعمد مني، وإنما مرت بتلقائية عفوية. وبدأت أتجه إلى المذاهب، فقرأت فيها الكثير، وخاصة كتاب (الأدب ومذاهبه) للدكتور محمد مندور.. وبعدها بدأت تتضح الرؤية بالنسبة لي”.
وكان من أهم إنجازاته: الدعوة إلى قيام أدب إسلامي منذ أواخر الخمسينيات، في إطار من الإدراك الواعي، والفهم المستنير، لماهية هذا الأدب ورسالته وأهدافه البناءة، في خدمة الأمة الإسلامية والعالم أجمع، دون تعصب أو جمود، مع الحفاظ على القيم الجمالية والإنسانية الصحيحة التي نادى بها الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أصدر في هذا المجال عدداً من الكتب النظرية (ثمانية كتب) وعدداً من الإبداعات الفنية التطبيقية في الرواية والقصة والشعر، وشارك بصورة أساسية فعالة في مؤتمرات الأدب الإسلامي التي عقدت في المملكة العربية السعودية كما شارك في العديد من الندوات والمحاضرات حول هذا الموضوع طوال الربع قرن الماضي، وقد ترجم الكثير من مؤلفاته إلى اللغات التركية والأوردية والفارسية والإندونيسية والإنجليزية والإيطالية والروسية والسويدية وغيرها.
أصدر أول سلسلة من نوعها في الأدب العربي المعاصر عن بعض قضايا ومشكلات العالم الإسلامي، منها (ليالي تركستان) و(عذراء جاكرتا) و(عمالقة الشمال) عن نيجيريا و(الظل الأسود) عن أثيوبيا، وغيرها. قال عنه الأديب الكبير “نجيب محفوظ” في مجلة المصور (أكتوبر 1989): “إن نجيب الكيلاني هو منظر الأدب الإسلامي الآن”، وأشاد بصدقه وموضوعيته، فقد أثبت الكيلاني بالتجربة الناجحة أن الأدب الإسلامي لا يعني الانحصار في دائرة الموضوعات التاريخية، وإنما يعنى أساساً بقضايا العصر، وواقع الحياة ومشكلاتها من خلال الرؤية الإسلامية الصحيحة وفي إطار الشكل الفني الجميل والمتطور.
كما تميز الكيلاني ـ رحمه الله ـ باهتمامه بقضايا الإنسان كالحرية والكفاية والعدل والتسامح، وأحاط في براعة بتفاصيل ودقائق الحياة في السجون، ومشاعر المقهورين ومعاناتهم في أنحاء العالم الإسلامي، وتناول عدداً كبيراً من النقاد في العالم العربي والإسلامي كتاباته بالنقد، وقدمت عنه دراسات ماجستير ودكتوراه في مصر والأردن والمملكة العربية السعودية وغيرها، وفي بعض الجامعات الأوربية.
كانت هناك عدة عوامل تداخلت في عدم شهرة الكيلاني وذيوع صيته بالقدر اللائق به منها:
 أولاً: أن الجيل الحالي من الشباب لم يعرفه جيداً؛ لأنه أمضى نحو ربع قرن من الزمان في دولة الإمارات العربية، مع أنه كتب خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته عدة قصص وروايات مهمة، وظهرت نبرته الإسلامية واضحة مئة في المئة من خلال الواقعية الإسلامية، ومع ذلك بقي بعيداً عن الصحف والمجلات المصرية.
وقد فضل أن يكتب آراءه واتجاهاته في كتب وروايات، وذلك حتى لا يحذف منها شيء – كما يحدث في الصحف – كما لم يرد أن يسبب لأحد مشكلات بسبب آرائه الإسلامية، وكان نادراً ما يكتب شيئاً بقلمه في الصحف؛ لأنه كان يحب ألا يُشوه رأيه أو يختصر أو يحّور..
ثانياً: الاتجاه الإسلامي الشامل لكل ما كتب نجيب الكيلاني، ولعل انتسابه للإخوان المسلمين في الخمسينيات والستينيات كان له أثر كبير في توجهاته وآرائه، كما كان ذلك سبباً في دخوله السجن في فترة حكم عبد الناصر، حيث كتب رواية ” ليل وقضبان” وكتاب” المجتمع المريض” و”رحلة إلى الله” داخل محبسه، وهي من أقوى ما كتب، وكانت واقعية تماماً، وبعد خروجه من السجن كان يرمز للحرية في معظم كتبه ويشير إليها دائماً كرمز أساسي من رموزه الأدبية.
أصيب الكيلاني بسرطان الكبد، الذي لازمه لفترة، وكان طوال هذه الفترة صابراً محتسباً، وكان لا يشعر أحد ممن حوله بمعاناته، وكان أمله في الله قوياً جداً حتى آخر لحظة، وقد كان مستعداً للقاء الله راضياً بقضائه، ذاكراً لله في كل لحظة حتى آخر رمق في حياته، وكان يرتل القرآن في غيبوبته..
 ومن عجيب ما يحكى عنه أن امرأته دخلت عليه ذات مرة فوجدته يبكي فور انتهائه من تأليف روايته “مملكة البلعوطي” وعندما سألته عما يبكيه فقال لها: لقد توفي جدي (بطل الرواية)! وتقول زوجته إنها  أحست وقتها أنه يرثي نفسه.
وفي 5/10/1415هـ الموافق 6/3/1995م توفي الدكتور الكيلاني بعد مرض عضال عانى منه أشد المعاناة، وكان في أثناء مرضه مثال المؤمن المحتسب، بعدما خلف تراثاً أديباً ضخماً، وترك (30) فكرة لثلاثين رواية إسلامية، دوّنها في نوتة صغيرة عن مشكلات المجتمع المسلم، ولكنه لم يستكملها بسبب مرضه، ثم وفاته، وهي تنظر من يقدم عليها ويخرجها للناس.
 رحم الله الكيلاني رحمة واسعة جزاء ما قدم للإسلام والمسلمين.


الكيلاني وتعرية الصوفية.. قراءة أولى (2/2)

محمد علي البدوي
 
ومازال حديث الأمس موصولاً اليوم، فالكيلاني استطاع أن يسخر كل أدواته القصصية ويحشد كل قراءاته وثقافاته المعرفية حينما أراد الكشف عن حقيقة هذه النحلة من خلال قصته “ولي الله” فمن ذلك:
ثالثاً: القصة تذخر ببعض أبجديات المعجم الصوفي، مثل: أهل الخطوة، والواصلين الذين سقطت عنهم التكاليف، “.. قال الراوي: شيخنا يصلي في الكعبة كل مساء.. إنه من أهل الخطوة”. وكذلك حفلت القصة ببعض مواقع بدعية نراها جلية على خارطة المذهب الصوفي، مثل: “الأضرحة، الدراويش، الأغاني الصوفية العذبة،..”.
رابعاً: استطاع الكاتب – بجدارة- أن يوظف الصراع الذي” اتفق النقاد على أنه هو الذي يمنح القصة الحياة، ويبعث فيها الحركة، ويدفع إلى تطوير الأحداث ونموها، ويحدث التفاعل بين الشخصيات”.  
فبواسطة هذا العنصر كشف الكاتب عن واقع الصوفية وخللهم في تربية أبنائهم فصراع “أحمد” وأبوه “وهدان” على قلب “نعناعة” وفوز الولد وانتصاره بل وزواجه من نعناعة وهربه معها، وخسارة الوالد والتسبب في مرضه ثم موته حسرة على حبيبته، هذه الأحداث تكشف عن سوء تربية الصوفية، وبعدهم عن ذويهم وعن متابعة أولادهم وانشغالهم بأورادهم وخلواتهم!
صراع آخر ولكن على جبهة مغايرة وهو صراع المريدين مع “عبد المطلب” تاجر المخدرات والذي أخذ يهتم “.. بالشائعات التي تلاحق الشيخ ونعناعة.. وأخذ يتقصاها وينشرها في  كل مكان، ولم يأل جهداًَ في تنميقها والمبالغة فيها..”.
هذا الصراع كشف عن شدة اعتقاد المريدين في شيخهم وقولهم بعصمته والمبالغة والمغالاة فيه إلى الدرجة التي تخرجه عن بشريته، والتي تنتهي إليه الصوفية مع مشايخهم.
خامساً: الحوار كذلك وظفه الكاتب كأداة فنية، ويمكن أن يكون قولنا في الصراع متوافقاً مع ما سنقوله في الحوار، فالحوار هو الآخر وظفه الكاتب ليكشف به عن ضلال هذه الفرقة وليقدم به تعريفاً لبعض مفرداتهم، ولنضرب أمثلة على ذلك من القصة: ما جاء على لسان الشيخ “ناصف” مؤذن المسجد الكبير: “الواصلون ليسوا مثلنا.. فالفرائض وأوامر الشرع لأمثالنا ناقصي الإيمان، أما أمثال الشيخ “وهدان” فلهم حكم آخر.. لقد كُشف الحجاب عن بصرهم وانتهى الأمر.. شيخنا يصلى في الكعبة كل مساء.. إنه من أهل الخطوة”.
وأجد قلمي مضطراًَ للوقوف عند هذه النقطة فعالم الكيلاني عالم كبير، وتقصي مظان الإبداع فيه قد يطول، ولكن حسبي في كل ذلك شرف المحاولة، مع العلم بأن وقوفي مع القصة كان يسيراً بالقدر الذي يتصل بالموضوع – الصوفية- فرحم الله الكيلاني وأثابه جزاء ما قدم .. والحمد لله رب العالمين.

الكيلاني وتعرية الصوفية.. قراءة أولى (1/2)


نشر أولا في لها أونلاين

أ/
محمد علي البدوي
يظل نجيب الكيلاني- رحمه الله ـ عملاق القصة الإسلامية بلا منازع، فهو رائدها وصاحب السبق فيها، والمنظر لها، وما ذلك إلا لغزارة إنتاجه وسلامة منهجه وعمق تفكيره وتناوله لقضايا الأمة من أقصاها إلى أقصاها، وإن كنا لا نقول بعصمة الرجل، فكل يؤخذ من قوله ويرد، ومن أبرز إنتاجه الذي يخرج عن الخط الإسلامي – إن صح التعبير-” ليل الخطايا” والتي رفض الكاتب ـ رحمه الله- إعادة طباعتها للمرة الثانية، وكذا روايتيه: “الربيع العاصف” و”في الظلام” ولكن بنسبة أقل.
ولعل سر نجاح الكيلاني “1931م –1995م” الأدبي يكمن في (سحر بيانه) فالرجل صاحب أسلوب رائع في الكتابة، رائع في العرض، رائع في الحبكة القصصية التي تأخذك ثم لا تدعك، وتأسرك ثم لا تطلقك إلا وقد أتيت عليها. استحضر هذا الكلام جيداً وأنا أعيش أحداث قصة “ولي الله” والتي جاءت ضمن مجموعته “عند الرحيل” فالقصة تحكي عن الشيخ “وهدان” شيخ الطريقة الصوفية، حيث اللحية الكثيفة والسبحة الطويلة والدموع المنسكبة، تأثراً بالتواشيح الشركية والاستغاثات القبورية بالأموات:
“يا بنت الأطهار
أنا المحتار داويني
جدك له المعجزات
ملأت دواويني”
والشيخ وهدان هذا دائم الخلوة في بيته، أو في أحد الأضرحة التي يرتادها ويؤمها بعيداً عن الناس، وبعيداً حتى عن أولاده الذين كانوا في قمة الاستهتار بالدين والأخلاق، وما ساءت التربية إلا من سوء المربي الذي غفل عنهم، وأهمل الأمانة التي ائتمنه الله عليها، والمسؤولية التي سوف يسأل عنها، ولكنهم هكذا هم دائماً فئة الخاسرين أعمالاً الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
ويمضي الكيلاني في سرد أحداث هذه القصة وذلك من خلال عرض مشوق، ممسكاً بخيوط الحبكة القصصية التي أتقنها، وألف أدواتها، حيث يعرض فئام الدراويش التي تقبل على الشيخ وهدان.. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه وتتسابق إلى الماء المتخلف من وضوئه كي تتبرك به، وتتداوى من السقام.
وحتى عندما تنفجر في القرية إشاعة مفادها أن الشيخ وهدان يتردد على بيت “نعناعة” ينبري المريدون للدفاع عن شيخهم، وكاهنهم، فتارة يتسلون ويتسرون بما قيل في المصطفى صلى الله عليه وسلم. وتارة يدعون بأن إمامهم من أهل الخطوة الذين بلغت بهم الكرامة أنهم يصلون في الكعبة بأرواحهم وربما بأجسادهم وهم بين ذويهم وأصحابهم..
لكن الشمس تسطع والغبار ينجلي والدخان ينكشف عن نار الحقيقة، فالشيخ قد وقع في حمأة الرذيلة، ومستنقع الخطيئة الآسن، وأنى لقلب ملئ بالخزعبلات، واقتات على الخرافة أن يصمد أمام طوفان الشهوة، ورياح الفتنة، لقد أحب الشيخ وتعلق قلبه بالغانية “نعناعة” من دون الله ـ تعالى- وبلغ به الحب إلى درجة المرض، الذي كان قنطرة العبور إلى الدار الآخرة قال الراوي”أما الشيخ وهدان” فقد لزم داره، لم يعد يره أحد يمضي في الطريق؛ تشع منه التقوى والوضاءة، ولم يعد يتوسط حلقة الذكر، ولم تعد تلمع دموعه فوق لحيته وهو يستمع إلى أغاني المتصوفين، وألزمه المرض الفراش لثلاثة شهور ولم يغادر بيته إلا يوم وفاته..
وقبل أن نطوي صفحات هذه القصة المشوقة في عرضها، الماتعة في أحداثها، يمكننا أن نكتشف سر نجاح الكيلاني في تعرية الواقع الصوفي من خلال الوقفات التالية:
أولاً: صدق التصوير للواقع الصوفي- والأدب مرآة صادقة للحياة- وقد تأتي ذلك للكيلاني من خلال رافدين هما:
أـ وجود الكاتب في “طنطا” أرض أحد أكبر الموالد، وقبلة الصوفية مما سمح له برؤية هذا الواقع عن قرب والوقوف على حقيقته عن كثب. ب ـ سعة القراءة والاطلاع في الكتب التي تناولت الصوفية، فهذه القصة تذكرنا بما نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس. والذي عرض فيه لما يحصل للمتصوفة من تلبيس وأسهب في ذلك كثيراً.
ثانياً: معالم الصوفية تظهر بوضوح من خلال هذه القصة فهناك الثالوث الصوفي(الطريقة-الشيخ- المريدون) والتصوف في نظر معتنقيه طريقة وحقيقة معاً!
والطريقة مما يدين به الصوفية، ولعل المريدين في هذه القصة قد امتثلوا الطريقة الإشراقية والتي يقول عنها ابن عجيبة- واصفاً آدابها.
وللقوم في لقاء المشايخ آداب منها تقبيل يد الشيخ ورجله… ومنها جلوسهم بين يديه على نعت السكينة والقار. وهذا الذي أراده الكيلاني عندما قال عن “طائفة المريدين وآدابهم مع شيخهم”.. تقبل يديه في شغف، وتعفر جباهها بالتراب الذي يسير عليه..
ولعل العصمة التي جعلها الله- سبحانه وتعالى ـ لأنبيائه فيما يبلغون عن ربهم جعلها المتصوفون لشيخهم فهم يرفضون مجرد الإشاعة التي تنال من “وهدان” ويرون ذلك مجرد محاولة قذرة للنيل من قداسة الشيخ.
والشيخ كمعلم من معالم الصوفية يأخذ في القصة موقع البطل أو الشخصية المحورية التي تقوم عليها أحداث القصة. “فالصوفية يغدقون عليه كل صفات الألوهية والمريد الذي لا يعتقد بشيخه القدسية الإلهية لا يفلح.. بل ولا بد في التصوف من التأثير الروحي الذي لا يتأتي إلا بواسطة الشيخ الذي أخذ الطريقة عن شيخة.
“وللحديث بقية” 


نقد أدبي: أعداء الإسلامية

نشر أولا في موقع رابطة أدباء الشام

بقلم د. نجيب الكيلاني

إذا كانت الإسلامية على هذا النحو الفريد من حيث النظرية والتطبيق، فلماذا توجه إليها سهام العداء المسومة؟؟

وما السبب الكامن وراء الحملات العنيفة التي تعد وتدفع لهدم صرحها، ودك بنيانها؟؟

وإذا كانت البشرية في مرحلة الطفولة القديمة تتصرف بسذاجة وحماقة، فما هو العذر الذي يقدمه عصرنا – عصر التقدم والعلم والتكنولوجيا – لما يكنه من خصومة قاسية مريرة للإسلامية؟

وإذا كان هذا العداء لا يحقق مصلحة حقيقية للبشرية، ولا يخدم قضاياها المصيرية فيكف نفسر تلك الهجمات المتتالية التي لا ترحم؟؟

أسئلة عديدة تدور في ذهن أي باحث، وتؤرق العاملين في الحقل الإسلامي، والواقع أن الناس أعداء ما جهلوا، فهناك فئة من الناس ليس لديها الوقت أو الرغبة لتحري الحقيقة، إنها ألفت مذهباً بعينه، أو فلسفة في الحياة استساغتها، وليست على استعداد لتحري الحقائق، وتمحيص ما يعرض عليها من أفكار ومبادئ، وهذا الصنف من الناس ينظر إلى الموضوع نظرة سطحية، فيرى حال المسلمين وما آلوا إليه من تمزق وتخلف، وما هم فيه من تناقض ووهن وكسل، فيتبادر إلى ذهنه أن الإسلامية بذلك قد جانبها التوفيق في خلق جيل قوي يفهم الحياة العصرية فهما سليماً، وأنها لو كانت كما يصورها أصحابها لقضت على أمراض مجتمعاتها، ولخلقت أمة قادرة على تخطي الصعاب ولأمكنها أن تسير في مقدمة الأمم الراقية، ولبرزت مثيلاتها في كل أنواع النشاطات الإنسانية من علمية وثقافية واقتصادية وسياسية واجتماعية، ولا شك أن الصورة القائمة التي تقدمها المجتمعات الإسلامية صورة قاتمة لا تشجع الغالبية العظمى من رجال الفكر والسياسة، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها.

لكن هل استطاعت شعوبنا الإسلامية أن تتمثل المعاني الإسلامية وتفهمها حق الفهم، وتطبقها في واقعها المعاصر؟؟

إن المسلمين أنفسهم قد تراخوا عن فهم الرسالة وأدائها على الوجه الأكمل، ولم يتحمسوا لمضامينها الفكرية التحمس الكافي، بل اتخذوا من الفلسفات الوضعية – فلسفات الأعداء – منطلقاً لتصوراتهم وحياتهم الجديدة ومن ثم فإن الإسلامية في عصرنا لم توضع بعد موضع التجربة والاختبار حتى يمكن الحكم على أصالتها في مجال التطبيق، فضلاً عن أن الفلسفات المعادية استطاعت بخبثها ودهائها وإمكانياتها الهائلة أن تثير الشكوك حول الإسلامية ومضامينها، ووجدت تلك الفلسفات الفرصة سانحة لإثارة الشبهات بسبب بعد المسلمين عن تراثهم، وعدم اهتمامهم به، وعزوفهم عن فهمه وإدراك أسراره، وعظمة ما فيه من مبادئ وتفسيرات.

نعم إن إمكانيات الأعداء قوية ومبهرة، لأنهم قطعوا شوطاً كبيراً في مجال التقدم والسيطرة والنفوذ، فسخروا ما لديهم من قوة وعلم ونفوذ لسحق أفكار الآخرين وهدمها، وذلك من خلال الغزو الفكري الذي جندوا له أفتك الأسلحة وأخطرها.

وإذا كان لدينا المسلم ديناً وميلاداً وأرضاً، فإن ذلك المسلم يفكر كما يفكر الأعداء، ويلبس مثلما يلبسون، ويأكل كما يأكلون، ويسلك في الحياة اليومية سلوكاً يكاد يكون صورة طبق الأصل من سلوك الأعداء، ولهذا السبب تميعت شخصية المسلم واندثرت أو كادت، فهو من الناحية الجغرافية والتاريخية مسلم، وهو في فكره وسلوكه غير مسلم، إن ذلك التمزق الفكري والوجداني قد جعل منا مسخاً مشوهاً لا يعبر بحال من الأحوال عن الشخصية الإسلامية المتميزة، ومن هنا كان إنتاجنا في الفكر والفن والفلسفة إنتاجاً مستعاراً من غيرنا، لا يمت بصلة تذكر إلى تراثنا وعقيدتنا، بل إن هذه الشخصية المتميعة الهلامية أصبحت تكيل الاتهامات جزافاً لكل ما هو إسلامي، باسم العصرية تارة، وباسم التقدمية وحماية التطور تارة أخرى، وباسم البعد عن التعصب والرجعية والجمود حيناً آخر، وإذا كانت الفنون لها أعمق الأثر في تشكيل الفكر والوجدان، فقد قلد مفكرونا الأعداء فيما يكتبون، لذا نجد القصص والأفلام والمسرحيات والأشعار أغلبها يستعير الموضوعات والأساليب الغريبة، ويبرز الشخصيات الشاذة في تصرفاتها وأفكارها، والتي تنبع تصوراتها وسلوكها من منبع آخر دخيل غير منابعنا الأصيلة، ولهذا قل ما يمكن أن نسميه بالفن الإسلامي أو الأدب الإسلامي أو الفكر الإسلامي، وكان حرياً بكتابنا وعلمائنا أن يستلهموا تراثهم ومبادئهم وضمائرهم، فلا يسقطوا في براثن التقليد،

ولا يبعدوا عن المكونات الأساسية لشخصيتهم.

ولا يذوبوا في أتون الغزو الفكري الذي ابتلاهم الأعداء به…

من هنا نرى أننا – بهذا السلوك – قد أصبحنا ألد أعداء أنفسنا… نعم نحن السبب الأول والأساس في هدم مفهوم الإسلامية في عقولنا وقلوبنا ومجتمعاتنا…

إن المرأة المسلمة قد تؤدي الصلاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت وتقر بالتوحيد، لكنها قد تسير حاسرة الرأس، عارية الصدر والذراعين، ثوبها فوق ركبتيها، وتقلد الأجنبيات في سلوكها مع الجنس الآخر.

ونرى الرجل المسلم يعرف عن تاريخ أوربا والعالم، وعن تاريخ الاقتصاد العالمي أكثر بكثير مما يعرفه عن تاريخ الحضارة الإسلامية الرائدة وفكرها واقتصادها، حتى الكليات والجامعات تركز أيما تركيز على أصول الفكر الغربي ومدارسه ولا تكاد تهتم بأصول الفكر الإسلامي واقتصادياته وقوانينه.. وماذا يريد أعداؤنا غير ذلك؟؟ لقد تحقق لهم ما يريدون على أيدينا نحن، واستطاعوا أن يدمروا حصوننا من الداخل وبأيدينا، ومن ثم فلا مناص من أن نضع أسساً جديدة للتربية والتعليم في بلادنا الإسلامية، أسساً تنهض عليها تنشئة الأجيال وتعليمها وتوجيهها، هذه الأسس لا بد أن تكون مستمدة من منابع الفكر الإٍسلامي ومدرسته القرآنية وآدابه المحمدية.

هذه واحدة والثانية: أن وسائل الإعلام برغم ما فيها من برامج دينية وتلاوات قرآنية، قد أصابها الاضطراب والخلل، وعشش فيها التناقض والتخبط، فهي إلى جانب فقراتها الدينية المباشرة تخلط السم بالعسل، فنرى تمثيلياتها ومسلسلاتها وندواتها تمضي مقلدة للغرب في نظرته للحياة والكون والإنسان، وتؤثر في الوجدان والفكر أعمق تأثير وأخطره، هذه الوسائل الإعلامية تفسح الطريق أمام الفكر المنحل، والتصور المنحرف للعلاقات الإنسانية، سواء في الصلات الفردية أو الاجتماعية، فالزوجة تحب وتعشق وتخرج وتمارس لعبة الشيطان مع رجل غير زوجها، في إطار من التبرير الزائف، تبرير المفاسد والانحرافات والرذيلة، والمجرم يبدو في إطار المظلوم المغلوب على أمره، والانتهازيون يسمون انحرافهم مهارة ولباقة وذكاء.. والمتحللون والمصابون بالشذوذ والهوس ينسبون ذلك إلى فلسفة جديدة قوامها الحرية وإشباع الرغبات، مخافة السقوط في براثن العلل النفسية، ومركبات النقص، فماذا تجدي الأحاديث الدينية، والتلاوات القرآنية، أمام هذا الركام الهائل من المفاسد والانحرافات والفوضى الفكرية والسلوكية؟؟

إن الممسكين بزمام الرأي والتوجيه والتربية نماذج بشرية عليلة لا تستطيع أن نقوم على تربية جيل، وتسهر على توجيه أمة من الأمم، ولا يمكنها – بحكم نشأتها وتربيتها وثقافتها – أن تقدم الإسلامية في إطار سليم صحيح، ولا تستطيع أن تتصدى لسهام الأعداء، لأنهم في الواقع – سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا – فرقة من ذلك الجيش الهائل، جيش الغزو الفكري..

لذلك فإنني أقول مرة أخرى: إننا نشكل قوة ضاربة تعادي الإسلامية وتساهم في القضاء عليها، وهيهات أن نستطيع أن نفعل شيئاً قبل أن تزاح هذه العوائق من الطريق، وتوضع أمانة التوجيه والتأثير في الرأي العام، في أيد أمينة تقدر المسؤولية وتعرف الطريق السوي إلى الهدف الأسمى.. إلى الإسلامية باعتبارها منهجاً في الفكر والسلوك..

وليس معنى ذلك أن نقف مستعدين منتظرين حتى يأتي إلينا من بيدهم الأمر ليأخذونا إلى حيث مراكز الدعوة والتوجيه… لا.. هذ1 غير معقول، بل علينا أن نتحرك ونأخذ للأمر عدته من علم وثقافة وتجربة وعزم، ثم نزاحم هؤلاء المنحرفين بالمناكب، ونأخذ أماكننا بالكفاءة والجدارة وتقديم النماذج البديلة.. تقديم البدائل هو الحل فالناس لا يمكن أن يعيشوا في فراغ، وإذا أردنا أن نزيح صناعة زائفة، أو فكراً منحرفاً، فلا بد أن نغرس مكانه النبتة الصالحة في التربة الصالحة، ونواليها بالري والغذاء، حتى تورق وتثمر وتترعرع..

وعلينا أن نعرف جيداً كيف يفكر عدونا، وكيف يخطط ويرسم، وكيف يمضي في معركته، وما هي الطريقة التي يوهن بها قوانا وعزائمنا ومعتقداتنا، وعندئذٍ نستطيع أن نعد الأسلحة المضادة التي تفل سلاحه، وتفشل مخططه..

وهذا يجرنا إلى الحديث عن الداعية الإسلامي الجديد في عصرنا الحديث.

هذا الداعية يجب أن يكون مؤهلاً التأهيل الكافي المناسب. مستخدماً أدوات العصر ووسائله في مجال الإقناع والتأثير حسبما أسلفنا في الفصل الأول، وعليه أن يتخذ عدته من كل ما يحفل به عصرنا من معارف وثقافات، إنه في حاجة بديهية إلى الإلمام بتراثه الإسلامي إلماماً معقولاً شافياً، ولا بد له من دراسة علم الاجتماع والدراسات النفسية في حدود الإمكان، ولا بد له من معرفة أصول علم الاقتصاد، وقدراً من فلسفة الفنون والإعلام وغير ذلك من ألوان المعرفة التي أصبحت ثقافة عامة في عصرنا ولا غنى لأي مثقف عنها..

هذا الإعداد أمر لا مفر منه، وإلا فكيف أضع عالماً من علماء الدين التقليديين في مواجهة طائفة من المثقفين العصريين أو الجامعيين، ثم لا يستطيع الإجابة أو عقد المقارنات بين الإسلام وغيره من الفلسفات المعاصرة، إن احتياجات الحاضر، ومشاكل المجتمع والواقع الحي الذي نعيشه والتساؤلات الملحة في مجالات السياسة والتربية والفكر والفن والاقتصاد، كلها تفرض نفسها فرضاً على ندواتنا ومجالسنا وصحفنا، ولا بد من تحليل كل ذلك، ورده إلى أصوله كي نصل إلى الطريق الصحيح.. طريق الإسلامية..

ولا بد من الاهتمام بالطفل اهتماماً خاصاً قبل سن المدرسة، وفي أثناء سنوات الدراسة، إن بلادنا الإٍسلامية لم تعط الطفل حقه الكامل حتى الآن، فهو متروك لمشيئة الأبوين، وتوجيه البيت، مع أننا نرى في أوربا مثلاً سينما للأطفال ومسرحاً للأطفال وعديداً من صحف ومجلات الأطفال، وكتبا خاصة بهم، ونوادي يمرحون ويتعلمون ويتربون فيها، إنهم هناك يغرسون في أطفالهم ما يريدون لهم من توجيه وتوعية، فينشأ الطفل على المعاني والقيم التي يريدونها أما أطفالنا فيعيشون في ضياع، وإذا ذهب إلى المدرسة وجد نفسه تائهاً في حجرة دراسية قد تضم ستين طفلاً، ولا يجد من المناهج الإسلامية الناجحة الشيقة ما يشده إلى ينابيع دينه، ومن ثم نجد أطفالنا يتحلقون حول شاشة التليفزيون، أو يجلسون مستمعين للمسلسلات الإذاعية مثل الكبار تماماً، وهنا يتعلمون عبارات الغزل، والنكات البذيئة، وحيل العصابات والقتلة والغشاشين، فينشأون في جو فكري مسمم، ويخرجون إلى الحياة الكبيرة حيث الشارع بتقاليده المنحرفة، وحيث السلوك بضلاله وشذوذه، وحيث الصراع والزحام المجنون الذي لا يرحم.. فكيف يصح هذا الطفل في المستقبل رجلاً يتمثل الإسلامية فكراً وسلوكاً بعد أن افتقدها في البيت والمدرسة والشارع وفي وسائل الإعلام المختلفة؟؟

أمر آخر لا بد من التعرف عليه، وهو أن هناك نوعاً آخر من العداء نستطيع أن نسميه “عداء المصلحة” وهذا العداء يحمله أولئك الذين تتعارض مصالحهم مع سيادة الإسلامية وسيطرتها على مناحي حياتنا فالذين يستغلون العباد، ويسخرونهم بأبخس الأثمان، ويسرقون جهودهم وعرقهم ويوجهونهم الوجهة التي تتفق وأهدافهم، هؤلاء الطغاة يخافون على سلطانهم أن يزول، وعلى مكاسبهم أن تنمحي أو تتناقض، ومن ثم فهم أعداء لأي تغيير أو تطور بيمس مصالحهم ويتعارض مع مخططاتهم.

وفئة أخرى وثيقة الصلة بالفئة الأولى قد ألفت حياة الإباحية والبذخ والسقوط، ويقضون أيامهم في العبث ومعاقرة الخمر، وارتكاب الفواحش أو الموبقات، هؤلاء جميعاً – وإن كان غالبيتهم من المسلمين اسماً- يخافون العقوبة، ويقفون مذعورين أمام مبادئ العفاف والشرف، فقد ألفوا العيش في مستنقعات الرذيلة، تلك التي يجنون من ورائها المتعة الزائفة والمكاسب المادية أو الدنيوية التافهة، ولذا نراهم يسيرون بين الخلق بدعوى الجاهلية والإباحية والفوضى، ويزعمون أن تلك هي الحرية التي هي من حق الجميع، حرية العقوق والفسوق، ونسوا أن مثل تلك الحرية المزعومة هدم لأنفسهم ولمجتمعاتهم ولأوطانهم.وليت الأمر يقف عند هذا الحد، لأنهم لا يكتفون بالممارسة المشينة لهذه التصرفات، وإنما يروجون لها، ويفلسفونها ويعتبرونها ضرباً من التقدم أو التحضر أو المدنية، ويفرزون في ظلها الأفكار والفنون والآداب المسمومة، فتبدو هذه الانحرافات الخطيرة وكأنها هي الواقع الذي يجب أن يكون، وهي الفلسفة السليمة التي يجب أن يسيروا على نهجها، هؤلاء جميعاً تتلمذوا على أيدي أساتذة الدمار والانهيار من مفكري الاستعمار والإلحاد والصهيونية، ونسوا أو تناسوا أن في ذلك فساد الدنيا والآخرة، وأن الخانعين المستهترين لا يمكن أن يبنوا أمة، أو يحققوا نصراً، أو ينالوا استقلالاً، أو يقودوا أجيالهم إلى حياة الرفاهية والشرف والرفعة، وهل في الإمكان أن تنهض حضارة أصيلة حقيقية على أساس هذه الألوان من العفن والانحراف والتحلل؟

وإذا كان هؤلاء المارقون يظنون أن الدول التي سبقتنا في مجال التقدم والعلم والتكنولوجيا، تتخذ هذا الأسلوب منهجاً في حياتها، ودستوراً لسلوكها، فإن ذلك لا يمكن أن يعتبر حجة مقبولة، لأن الحضارة الغربية تخفي مساوئها وعللها وراء ستار كثيف من التقدم الصناعي، وقد اعترف مفكروها وفلاسفتها بما يعانيه الفرد من تمزق وحيرة وقلق، فكثرت بينهم الأمراض النفسية، والانحرافات الخلقية، وتمزقت أسمى الأواصر، وما علينا إلا أن نقرأ آدابهم ونطلع على فنونهم، لنرى النماذج البشرية المحطمة، والبدع الأخلاقية الغريبة، وذلك كله – باعترافهم – إيذان بانهيار قريب لتلك الحضارة، ولا شك أن الحروب المدمرة، والفلسفات الشائهة، وموجة الخنافس والمخدرات وقضايا القتل الجماعي والشذوذ الجنسي والفضائح الفتاكة، وظلم الأقوياء للضعفاء، لا شك أن هذه الأوبئة كلها هي بداية النهاية لأمم تخفي مساوئها وعللها وراء التقدم الصناعي أو التكنولوجي الظاهري..

إن حضارة الغرب هي حضارة ظاهرة.. لأن العلوم الظاهرية من كيمياء وكهرباء وفسيولوجيا وغيرها، استطاعت أن تدرس الإنسان من خلال أنشطته الظاهرة للعين في المعامل أو تحت الميكروسكوبات، أو بمختلف وسائل العلم الحديثة، لكن حضارة الظاهر تلك لم تستطع أن تتعمق باطن الإنسان أو داخله، لم يتيسر لها أن تفهم وجدانه وروحه وأشواقه وفطرته السليمة، لأن هذا المجال الميتافيزيقي (أو ما وراء الطبيعة) هذا المجال الغامض المجهول لا يمكننا أن نستمد معرفتنا عنه إلا من خالقه.. من الله سبحانه وتعالى ، فهو الذي خلق الخلق، وهو الذي أودع فيهم من الأسرار والحقائق ما لا يعرفه أحد، ومن ثم فإن طبائع الأمور تقتضي أن الخالق وحده هو القادر على صوغ القوانين والخطوط العريضة لمسيرة الإنسان في هذه الحياة.. من هنا كانت رسالات السماء التي تضمنت شريعة الله عز وعلا…

لهذا فإن الحضارة الحديثة التي أغفلت هذه الحقيقة قد حادت عن الطريق، وانصرفت عن المنهج السليم، وأصابها الغرور بسبب الفتوحات التكنولوجية والعلمية في مجالات علوم الظاهر، وظنت أنها قادرة على اقتحام علوم الباطن، وقدمت التافه القليل فيما يسمى بعلم النفس، والعجيب أن تلك الحضارة قد اعترفت بعجزها وقصورها في وضع تصور صحيح للإنسان في باطنه، وإذا كان علماء الحضارة قد اتفقوا على القوانين العلمية التي استخلصوها من التجارب والمشاهدة فيما يتعلق بعلوم الظاهر، إذا كان العلماء قد فعلوا ذلك فإنهم قد فشلوا فشلاً ذريعاً في الكشف عن النواحي الميتافيزيقية، ولم يصلوا فيها إلا إلى بعض الحقائق التي وصل إليها الدين، ثم اشتطوا فأتوا باستنتاجات خاطئة في هذا المجال أيضاً، وكان الخطأ الأكبر حينما حاولوا تطبيق تصوراتهم المتهافتة المضطربة في واقع الحياة.. وهذا كله يعود بنا إلى إقرار الحقيقة الواقعة ألا وهي أن الخالق هو الخبير بخلقه، وأن التصور الديني لهذا الجانب في حياة الإنسان أقوى التصورات وأصحها…

إذن فالكائن الحي الذي ربته الحضارة الغربية كائن شائه ناقص، واقع بين براثن القلق والتمزق والخوف والملل والشطط والانحراف على الرغم من أنه ينعم بالمنجزات المادية والصناعية التي تحققت له لكنه شقي روحاً وقلباً ووجداناً.. هذا هو ردنا على أولئك الذين يستشهدون بالتقدم الصناعي على تفوق الحضارة الغربية وسيادتها في كل مناحي الحياة..

نعود مرة أخرى إلى ظاهرة العداء للإسلامية، فنقول: إن هناك نوعاً آخر من العداء يرتبط بطبيعة النفس البشرية، ألا وهو تشبث كل ذي عقيدة بعقيدته، وهذا واضح طوال حقب التاريخ، فاليهودية ترفض النصرانية استمساكاً بتراثها القديم،والنصرانية تكره الإسلامية واليهودية معاً في واقع الأمر، وكل ذي عقيدة أو دين يدفعه تعصبه وكبرياؤه أحياناً إلى محاربة ما يضاد فكره أو يختلف معه، وهذا نوع من العداء مورث وشائع، بل إننا نجد مثل هذا العداء بين أصحاب المذاهب المختلفة في الدين الواحد، ومنطق العلم يرفض هذا اللون من العداء لأنه يتنافى مع الموضوعية، ومنطق الدين هو الآخر يرفض ذلك العداء أو التعصب الأعمى، وكثيراً ما تحمل آيات القرآن الكريم على أولئك المكابرين الذين يحتجون بتبعيتهم لآبائهم وأجدادهم، ويشيحون بوجوههم عن كل نور جديد يقتحم ظلمات حياتهم: “إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ، وإنا على آثارهم مقتدون”.

إن إغلاق العقل عن أي فكر جديد، ورفضه ابتداء دون فحص أو تمحيص يعتبر ضرباً من الجمود والتعصب، وحينما أعلن الجهاد المقدس في الإسلام، لم يكن ذلك الجهاد من أجل غزو أرض، أو استغلال شعوب، أو نهب ثروات، وإنما كان لفتح الطريق أمام شعوب الأرض كي ترى النور وتختار.. “لا إكراه في الدين”.

كان الجهاد من أجل هدم أسوار السجون والإكراه والكبت والقهر التي ترزح تحتها شعوب الأرض، ولهذا لم نسمع في التاريخ عن إنسان عذبه المسلمون كي يعتنق دينهم.

هذا النوع من العداء للإسلامية يجب أن نقابله بالمنطق، بالجدل العلمي الموضوعي

ولنتناول الآن بعض أعداء الإسلامية بشيء من التوضيح…

(يتبع)



(1) الزخرف – آية 23

(2) البقرة آية 256

ليالي تركستان …قراءة ثانية

عزيزي القاريء…ربما هذه هي المرة الثانية التي أطرح فيها رواية ليالي تركستان.
يؤرخ الأديب للأحداث الحقيقة في روايته دون جعلها قصة تاريخية بحتة و لا حكاية مرسومة في ظل التاريخ و محسوبة على الأحداث.



ليال تركستان: رواية رائعة… تأثر فيها الأديب بتجارب المسلمين في بلدان أخرى.تأثر أيضا بتجربته الذاتية، فصقل الرواية بأفكاره و خرجت متكاملة. تقرأها في مصر أو أي بلد عربي أو إسلامي أو أي بلد يطمح إلى الحرية و المساواة كائنا ما كان؛ فتتأثر بها و تشعر أنها تجربتك الذاتية! و ليس فقط تجربة ليالي تركستان.

 وجدت نسخة أخرى غير النسخة الورقية التي اقتنيتها مؤخرا. النسخة الجديدة هي نسخة إلكترونية على الانترنت بصيغة ملفات WORD. و قد وجدت فيها مقدمة مهمة و شيقة تمهد لسبب كتابة الرواية. كما وجدت فيها تاريخا بحثت عنه و هو العام 1930 ميلادي الذي ابتدأت فيه الرواية. و قد استدللت أنها في النصف الأول من القرن الماضي تقريبا و ذلك من الأحداث الواردة فيها. و لا أعلم شخصيا سببا لوجود نسختين مختلفتين. الطبعة الأولى للرواية كانت في العام 1971 ميلادي.

يقول الأديب في فقرته الأولى:

نحن الآن في عام 1930م، أعيش في مقاطعة (قومول) وكانت الصين قد احتلت هذه المقاطعة في نفس العام، وبعد الاحتلال أصبح القائد الصيني للمنطقة هو الحاكم بأمره، كل شيء يجري على هواه، والحسرة تملأ النفوس وتطل من العيون الحزينة، وأمير قومول المسكين يعيش في قصره لا يتمتع إلا بسلطة اسمية كنت أرى بعيني رأسي أفواج الصينيين تتدفق إلى الولاية.. أعني مقاطعة قومول.
ثم تجد نفسك -عزيزي القاريء- في قمة الأزمة الدرامية في الرواية من الصفحة الأولى:
وفي يوم من الأيام أصدر القائد الصيني منشورا هز البلاد من أقصاها إلى أقصاها..
هذا المنشور يلزم أي تركستاني بأن يزوج ابنته من أي صيني يتقدم لطلب يدها، برغم اختلاف العقيدة..
و يعلق على المرسوم و ليس الاحتلال. فأبشع ما في الظلم أن تسخر من العقيدة الدينية بين المسلمين. لهذا يعقب قائلا:
إن الاحتلال أمر مؤقت قد يزول في يوم من الأيام، والمعركة مع العدو كر وفر..أما أن يدوس العدو مشاعر الناس ويحتقر شرائعهم، ويسخر من دينهم فهذا أمر فوق الطاقة..
و هنا تعرف أن تسمية الرواية (ليالي تركستان) ستحمل معنى للأحداث التي فيها فر و كر و ليال ينتظر فيها الأبطال فجر يوم جديد بل يصنعونه في ليال الظلم التي تطول.
و قد علق قاريء قائلا: إن إعادة عرض و طرح هذه الرواية يتناسب مع تفاقم قمع الأقليات في تركستان أو إقليم الشينج يانج أو أقلية الإيجور في صيف 2009. فقلت و لم لا؟ فلنعرف أكثر.
يخاطبنا الأديب بلسان القائد قائلا:
 ”أدوات النصر أنتم تعرفونها…  الصبر والصمود…الجهاد حتى الموت… لا جديد بعد كلمات محمد… انظروا… لا يفل الحديد إلا الحديد.. كل ما أعرفه أن أقواما بلا شرف.. هم موتى وإن كانوا يأكلون ويشربون ويتنفسون … لا تستنكروا تصرفات العدو وحده، ولكن ابكوا على تهاونكم واستنكروا استسلامكم …أتفهمون؟”.
و ربما صلح هذا الخطاب في جميع أحوال المسلمين في كل مكان و زمان. و ربما استخلصه الأديب و وضعه عمدا و ملخصا في الرواية. كما تكررت العبارات الرنانة المتشابهة بالرواية و التي تصلح للتكرار. لكنها قبل ذلك تصلح للتفكير و التنفيذ.
ثم يزرع الأديب تحليله الفكري الخاص لأسباب أحداث الأقليات المسلمة و الأطماع التي تنتهشها بقوله:
 أنا أعرف دعاة الصليبية في العالم، إنهم ينتهزون فرصة ضعفنا وهواننا ويحتشدون حولنا.. ويثيرون نعرات شعوبية وإقليمية.. إنهم يريدون أي شيء على ألا نكون مسلمين.. هل تفهمون؟؟.
تتابع الأحداث من زواج ابنة أمير المنطقة المسلمة من القائد الصيني المحتل غير المسلم!
و لا يفوت الأديب أن يشرح لنا شخصية القائد الصيني الانتهازي الذي لا يريد أن يتذكر أيام باع أهله بناته و أطفاله أيام الشقاء و الفقر و يحلم بمتع ليلة الزفاف و مساواة زائفة.

يقول الأمير مخاطبا البطل –مصطفى-
        ” هناك على التلال يعيش فئة من الرعاة الأبطال ، لم يستطع العدوان أن يقهرهم ، ولم يتزوج نساءهم ، بالقوة . . هؤلاء يشربون ألبان الماعز ، ويغزلون الصوف ، ويعبدون الله الواحد الأحد ، لا يخافون أحداً إلاّ الله . . . . أتدري ؟ هؤلاء هم الملوك غير متوجين . . . ما أشد حنيني إليهم يا مصطفى . . . ”

ثم ينقذك الأديب من الصدمة السابقة بمفاجأة أنباء “الانتقام المشروع” و بداية المقاومة أو الانتفاضة إن صح التعبير.
و لا ينسى الأديب أن يضع على لسان الأبطال قول الله تعالى و حكمته في طيات أحداث الرواية:
 ثم هب خوجة نياز حاجي واقفا، وصاح بأعلى صوته: 
- سمعتكم تتحدثون عن الأربعمائة مليون صيني، كما لو كنتم حضرتم هذا الاجتماع بصفتكم وفدا عن الصين وليس جماعة من الفدائيين المسلمين، وإذا كنتم تقيسون الجيوش بعددها فوالله أن الإسلام ما كان لينتشر، وترفع راية الله في الأرض لو أن المسلمين الأوائل فكروا كما تفكرون، كأني بكم لم تقرؤوا قول العلي الأعلى: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) (البقرة:249) ولكي نكره خصومنا على احترام ديننا، فعلينا معشر المسلمين أن تتخذ القرآن إماما لنا، فإنه يكفل خير الدنيا والآخرة، والله ما تحكم الأعداء فينا وملكوا رقابنا إلا لأننا تنكرنا لديننا، ونبذنا قرآننا وراءنا ظهريا، وإني أعاهد الله على أني لن أضع سلاحي حتى ألقاه أو أنتقم لديني وبلادي، فمن كان أبواه مسلمين فليتبعني.

تعرفنا الرواية بنجمة الليل المحور الرئيسي أو البطلة في هذه الرواية:
و لا أحب أن أعرفها للقاري بقدر ما أحب أن أنقل ما قاله مصطفى:
وشردت ببصري إلى بعيد، كنت أغمغم: ” الليالي التي قضيتها أفكر فيك كانت أياما جميلة، كان للحرمان والصدود معنى صوفي يرقص له قلبي.. آه لو تعلمين.. قلبي الآن يخفق في فرح.. أعرف أن ورائي قلبا كبيرا يمتلئ بالحب لي، وسيضئ خيالك في ظلمات المعارك المدلهمة.. سأدافع عن شرفك وشرفي.. الشرف جزء من العقيدة التي أنعم الله بها علينا وعندما نعود سنتزوج.. يا نجمة الليل عودي إلى أميرتك.. فهس الآن وحدها.. فقد خرج الرجال.. وخروج الرجال في هذا اليوم المشهود ذكرى رائعة يجب أن تغنوا وترقصوا لها.. حرب المبادئ يا نجمة الليل، تصنع الرجال.. فيصبحون رجالا حقيقيين..”
و هنا تظهر الأنثى في الرواية. الأولى كانت الأميرة التي بكت و حاولت الانتحار حتى لا تتزوج الصيني. ثم الآن تطلب من أبيها ان يصحبها للحرب كما الرجال. و يظهر أن الحرب أيضا تفرق بين الأمير و الغفير حيث يقول الأمير لابنته:
“تعلمين يا أميرتي الصغيرة، أن الرجال قادرون على مجابهة العدو، وراغبون في الموت، فلتركن النساء إلى الخباء..”.
بينما نجمة الجبل تتحور شخصيتها و تنفرد الرواية بفصليين كاملين من الأحداث و الأفكار التحليلية لتبرر فعلها –ليس حربا لكنه مقاومة الضعيفات- بل تصل الرواية إلى قمة أخرى من العقدة التي يتقابل و يتحاور فيها الحبيبان القديمان الذي سلك فيه الأول طريق الحرب و هو هنا الذكر –مصطفى- بينما الحبيبة الأنثى تحاول أن تبرر فعلها المشين في عرف المجتمع و الدين بأنه مقاومة نسائية! و لم يرق لي رمزية نجمة الليل إلى تركستان المحتلة  و شعور مصطفى نحوها بأنه الرجل الذي اغتصبت أنثاه حيث تكرر هذا الترميز في الروايات و الأعمال التمثيلية.
قلت في شيء من الدهشة:
- وكيف تعيشين في كنف رجل لا تحبينه.
هزت كتفيها في سخرية وقالت:
- كما تعيش بلدي تركستان تحت وطأة الاحتلال، كما تعيش أنت في أورومجي الذي يحكمه العدو، كل شيء هنا يمضي بلا روح.
غمغمت : “بلا روح”.

 و هنا أرى البراجماتية في حديثها فلا اتعاطف معها و اتساءل هل هي حيلة أم براجماتية؟  لكن بطريقة من نطق بالكفر و هو مضطر يبرر لنا الأديب فعلها و يطوع أحداث الفصول المتتالية ليجعلنا نحترمها و نجعلها بطلة و كيف لا و قد فعلت هذا لتنقذ أسرة الأمير من السبي و نساءه ثم قتلت زوجها الصيني المتأسلم بنفسها. و هنا تخلع قناع الأنثى لتقول:
زعمت أنك مسلم، فلم تصل ركعة واحدة، وكذبت حين قلت إنك تكره الحرب، أنت لم تكن سوى حيوان، وأنا بالنسبة لك كالكأس التي أدمنتها ولا يمكنك الاستغناء عنها، ..قف.. لا تتحرك، لقد شحب وجهه، ركع على ركبتيه، رأيت في عينيه الموع، تصور أنه كان يبكي، لشد ما تلذذت ببكائه، ما الذي أتى بك في بلادنا؟
 أغمض عينيه وقال متوسلا: 
-   أنا أحبك يا نجمة، لم أحب أحدا مثلما أحببتك، أعدك بشرفي ألا أعود لمثلها لوو طردوني من الجيش، أنت كل شيء في حياتي.
ضحكت وضغطت على الزناد وأنا أقول:
-    وأنا أحبك، وقتلي لك يطهرك من قاذورات وخطايا كثيرة. خذ..خذ…خذ..خمس طلقات بعدد التعساء الذين راحوا ضحيتك.

ربما تأثر الأديب بتجربته الخاصة في وصفه لأهوال الظلم و القمع و ربما وصف فعلي لأحداث قومول. فالأهوال تتشابه في الدنيا.

 ما أفظع أن تعيش في بلدك الحبيب، الحقيقة لم أكن أنا الغريب، بل شعرت أن تركستان هي الغريبة، هي الشاردة الهائمة على وجهها في عالك كله ابتزاز وسجون وقتل، والشيء الذي أعجب له هو أني ما ذلت حيا حتى الآن، لكنها إرادة الله، وما أقل ما بقي من المساجد، قلة من الشيوخ الطاعنين في السنين يتوجهون إلى المساجد خفية، ويرتلون الصلوات في نبرات دامعة خافتة وعيون الجواسيس تراقبهم، قد لا يصيبهم أذى، لكن بنيهم وأهليهم معرضون دائما للانتقام، وكنا نمر على المساجد التي استولوا عليها وأحالوها إلى مسارح أو أماكن لسكنى الشرطة والإدارة، ونتمسح في الجدران ونبكي في هدوء، فمن يبكي علانية يعرض نفسه لموت محقق، وكنت أتنقل من بلد إلى بلد وكنت أتخذ لنفسي في كل مرة اسما جديدا.. آهـ… إنها ذكريات قديمة.

و لا ينسى انه الأديب المهاجر فيقول على لسان البطل:
اليأس يدب في نفسي، وأنا أدب في الأرض حزينا تثقلني الأحمال التي أنقلها إلى السيارات أو إلى السفن،
ثم يتأرجح الأديب – البطل- تأرجح المفكرين  عندما يقول:
  وعدت إلى حجرتي المظلمة العفنة أصلي وأبكي، في كثير من الأحيان يبدو لي الموت أروح بكثير من الحياة، الموتى لا يشعرون بشيء، وأحيانا أخرى يملآ قلبي اليقين بأن الإسلام لا بد أن ينتصر، وأن الحرية حتما ستجئ، أنا معلق بين اليأس والأمل، راغب في الموت أحيانا، متشبث بالحياة أحيانا أخرى، أنا الممزق المعذب الضائع الذي لا يعرف له طريقا يسير فيه أو ملجأ يهنأ فيه..
تتابع الأحداث و التي هي حقيقة جملة حيث هرب الكثير من أهل البلاد فارين بدينهم جنوبا إلى إقليم كشمير المسلم، بينما اختلط البعض مضطرا و تبدلت روح البلاد في سنوات و عقود. يبحث مصطفى عن زوجته و ابنه و يأبى الأديب إلا أن يلتقيان لتكون هذه هي اللحظة الهادئة الوحيدة و التي جاءت في نهاية الرواية ليبدأ كلاهما من جديد. لم يختتم الأديب ليالي تركستان المتسارعة النشطة بغير الواقع المرير حيث تستمر معاناة هذا الأقليم.
    سوف نسير إلى بيت الله الحرام.. إن قطرات من ماء زمزم قد ترد روح الضائعين والمتعبين.. إني أتخيل وأنا أصرخ في جموع الحجيج مبشرا بيوم الخلاص.. وكأني بملايين المسلمين يشقون الأكفان، وينطلقون تحت راية التوحيد ليحرروا من جديد ملايين العبيد..
تلك هي قصتي…

و قد سبقني الكثير من النقاد الكبار في ذكر دور العلماء في تذكير الناس و توعيتهم بما عليهم فعله. و هذا ما اورده الأديب في طيات الرواية على لسان الشيخ (خوجة نياز حاجي ) الذي يعرفه الأديب برجل العلم و الفكر و الدين و يجعل أفعاله الإيجابية  في الرواية تنم عن هذا التعريف صدقا.

و لا يفوت الأديب أن يعرض تفصيل لأسماء البلاد و المقاطعات الحقيقية و أسماء الشخصيات المركبة مثل:

-     الثوار يذبحون في مقاطعلة “إيلي”.. وفي مقاطعة “أقصو”، و”تشوشك”، ومدينة شهيار تعاني من السجن والكبت والانتقام المريع.. نفس الشيء في “كوتشار” وفي “آلتاي”  
بل يهدينا حكمته و خبرته حينما يعرض لنا أحداث التلاعب الروسي بالمسلمين ثم التعاون ضدهم و هذا موثق تاريخيا.
لا يبقى إلا مقتطفات من الجمل التي وردت ، و التي تصلح للتذكرة:

هكذا المدن-مثل الأجداد تماما-قد تكون ذات حسب ونسب، وقد تكون من أسافل المخلوقات، أو ممن لا وزن لهم من مخلوقات الله..

الثائر لا يعرف المهادنة،…. ليس الأمر خاصا بي، ولكنه ثأر لله.

خيانة الخائن ليست خطيئة.

والكفر ملة واحدة، والمسلمون ملل عدة، وبذلك تستطيع أن تفسر لماذا يكون النصر، ولماذا يكون الهزيمة.



 مقدمة الطبعة المزيدة:

المدينة المقدسة تكتظ بحجاج بيت الله الحرام، وحول الحرم المكي خلق كثيرون من شتى الأجناس والألوان، السود القادمون من إفريقيا، والبيض القادمون من أوربا وأمريكا، والوجوه الصفراء المميزة التي أتت من أقاصي آسيا، والعرب والعجم كلهم يسيرون في مواكب متدفقة يهللون ويكبرون، ويطوفون بالبيت العتيق، أو يهرولون بين الصفا والمروة، أو يصلون في مقام إبراهيم، ويتسابقون لشرب قطرات من ماء زمزم، هنا في هذه البؤرة المقدسة يلتقي الناس إخوة من كل فج وصوب، تباينت لغاتهم واختلفت ألوانهم، لكن شيئا واحدا يجمعهم… الإيمان بالله ورسوله وكتابه…
وبعد أن أديت صلاة الظهر… اتجهت إلى البيت الذي إقيم فيه بمكة المكرمة، وفي طريقي دلفت إلى بعض الأزقة.. هناك تباع المسابح والسجاجيد الصغيرة للصلاة، والطواقي المزخرفة والأدعية الشريفة، وجلست في حانوت صغير، نظرت إلى وجه التاجر الذي يبدو أنه قد تخطى السبعين من عمره، لم يكن عربيا… هذا واصح من ملامحه ولون وجهه، ولكنه خاصة في كلامه، قلت وأنا أمسك بين أناملي بعدد من المسابح الجميلة:
-                 من أي البلاد أنت؟
سدد إلي نظرات يوشيها الحزن والأسى وقال:
-                 من بلاد الله الواسعة…
-                 أعرف… فأي هذه البلاد تقصد؟
-                 من تركستان.
 فكرت قليلاُ ثم قلت:
 - أهي بلاد ملحقة بتركيا؟؟؟
وعلت ابتسامته الساخرة ظلال كآبة وقال:
 - المسلمون لا يعرفون بلادهم، ما هي صناعتك؟
- طبيب من مصر.
 - أفي بلاد الأزهر الشريف ولا تعرف تركستان؟؟؟ حسناً… لا شك أنك تعرف الإمام البخاري والفيلسوف الرئيس ابن سينا والفارابي، والعالم الجهبذ البيروني.
- إنني أعرفهم...
- هم من بلادي...
وشرح لي الرجل واسمه “مصطفى مراد حضرت” ما هي التركستان، وأخبرني أن التركستان تقع في أقصى الشمال، وأنها قد انقسمت بفعل الاستعمار إلى تركستان شرقية وأخرى غربية، وأن الروس قد احتلوا تركستان الغربية وضموها إلى اتحاد الجمهوريات السوفيتي، وأن تركستان الشرقية قد احتلها الصينيون من قديم، وضموها إليهم وسموها سنكيانغ – أي الأرض الجديدة – وأن الشيوعية قد نشرت جناحيها على تركستان شرقها وغربها… وهكذا ضاعت بلاد إسلامية كانت من أعظم بلاد الله حضارة وتاريخا ومجدا… إنها الأندلس الثانية… عيب المسلمين أنهم لا يعرفون تاريخهم، ولا يدرون إلا القليل عن بلادهم…
هكذا كان يقول، ولحيته البيضاء ترتجف…
ثم التفت صوبي قائلا:
-                 أتريد أن تشرب الشاي؟
-                 لا مانع.. لكني أريد القصة من أولها…
قال وهو يتناول أقداح الشاي من فتى صغير، لعله حفيده:
-     “القصة تشكل مأساة طويلة.. الحجاج يأتون كل عام إلى مكة، ويؤدون المشاعر، ثم يعودون أدراجهم من حيث أتوا… هل فرض الحج على المسلمين لكي يأتوا ويعودوا؟؟؟
لا أظن ذلك،.. من مبلغ عني كل زائر لهذه الديار المقدسة قصة الشعب المسلم التعس الذي سقط بين قسوة المنجل والمطرقة؟ حسنا.. يمكننا أن نلتقي في المساء.. سأحضر لك بعض الكتب، سأحدثك عن قصتي الطويلة، أنا هنا.. وعيناي معلقتان بالأرض الخضراء بالجبل السماوي” جبل تيان شان”..
بجبال “بامير” الواقعة بين حدود باكستان وتركستان.. بالنساء اللاتي نزعن البراقع من فوق وجوههن.. بالشباب المعذب المخدر الذي يساق إلى معاهد العلم الجديدة هناك ليتعلم الإلحاد.. ويسقى الأكاذيب والترهات، حتى ينسى تاريخه وإسلامه.. بالمآذن والقباب.. بالجموع التي تزحف في أطراف سيبيريا يحرقها الهوان والعذاب واللعنات الظالمة… أنا من تركستان الشرقية… وإليك القصة من بدايتها…”

الخلفية التاريخية: ما هي تركستان؟
 دخل الإسلام إلى تركستان الشرقية (ترك” و”ستان” ومعناها أرض الترك ) منذ الفتوحات الكبرى على يد قتيبة بن مسلم الباهلي (88-96) هجرية. ثم ظلَّت تركستان موطنًا للأتراك الشرقيين المسلمين، دولة مستقلة لعدة عصور يشهد التاريخ بأنها تم غزوها من قِبل الصين واستعمرت بواسطة قوات الإمبراطور عام 1759م وخلال السنوات التي تلت ذلك قاوم وطنيو التركستان الاحتلال، وانتفضوا في عدة مناسبات ضد المحتلين، وفي سنة 1864م استطاع الإيجور طرد الصينيين المانشو من تركستان، وأقاموا حكومةً مستقلةً استمرت لعقدين من الزمان، لكن الإمبراطورية الصينية استطاعت السيطرة مرةً أخرى على تركستان الشرقية في مطلع عام 1880م معلنةً في 18 نوفمبر 1884م أن تركستان الشرقية هي المقاطعة التاسعة عشر للصين، و اسمها (شنج جانو) أي الحدود الجديدة أو الأرض الجديدة في الصين.  وفي عام 1933م تواصل جهاد المسلمين لبعث وإحياء دولة التركستان الشرقية وفي عام 1944م نجح نضال المسلمين وحصلوا على الاستقلال، واستمر ذلك حتى عام 1949م حينما تحالفت جيوش الروس مع الصينيين واستطاعوا الإطاحة بهذه الحكومة، وشددت الصين بعد ذلك قبضتها على تركستان. تركستان غنية بالنفط والغاز الطبيعي وخامات اليورانيوم. المسلمون يمثلون بها أغلبية لا أقلية ،لكن وقوعها بين قوتين كبيرتين أدى لمعاناة الشعب المسلم بالتركستان الشرقية.


لقراءة الرواية كاملة من على الانترنت:
ليالى تركستان لنجيب الكيلاني

« Older entries

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.